أبي بكر جابر الجزائري

220

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وقوله تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ هذه بشارة أخرى بأن اللّه تعالى سيفتح له مكة ، ويدخلها ظافرا منتصرا وهو يكسر الأصنام حول الكعبة وكانت ثلاثمائة وستين صنما ! ويقول جاء الحق وزهق الباطل أي ذهب الكفر واضمحل . إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً . لا بقاء له ولا ثبات إذا صاول الحق ، ووقف في وجهه ، وجائز أن يكون المراد بالحق ، القرآن وبالباطل الكذب والافتراء ، وجائز أن يكون الحق الإسلام والباطل الكفر والشرك وأعم من ذلك ، أن الحق هو كل ما هو طاعة للّه عزّ وجل ، والباطل كل طاعة للشيطان من الشرك والظلم وسائر المعاصي . وقوله تعالى : وَنُنَزِّلُ « 1 » مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أي وننزل عليك يا رسولنا محمد من القرآن ما هو شفاء « 2 » أي ما يستشفى به من مرض الجهل والضلال والشك والوساوس ورحمة للمؤمنين دون الكافرين ، لأن المؤمنين يعملون به فيرحمهم اللّه تعالى بعملهم بكتابه ، وأما الكافرون ، فلا رحمة لهم فيه ، لأنهم مكذبون به تاركون للعمل بما فيه . وقوله : وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً أي ولا يزيد القرآن الظالمين وهم المشركون المعاندون الذين أصروا على الباطل عنادا ومكابرة ، هؤلاء لا يزيدهم ما ينزل من القرآن ويسمعونه إلا خسارا لازدياد كفرهم وظلمهم وعنادهم . وقوله تعالى : وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ « 3 » وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً يخبر اللّه تعالى عن الإنسان الكافر المحروم من نور الإيمان وهداية الإسلام أنه إذا أنعم عليه بنعمة النجاة من الهلاك وقد أشرف عليه بغرق أو مرض أو جوع أو نحوه ، أعرض عن ذكر اللّه ودعائه كما كان يدعوه في حال الشدة ، ونأى بجانبه أي بعد عنا فلا يلتفت إلينا بقلبه ، وذهب في خيلائه وكبريائه وقوله تعالى : وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ « 4 » يَؤُساً أي قنوطا . هذا هو الكافر ، ذو ظلمة النفس لكفره وعصيانه . إذا مسه الشر من جوع أو مرض أو خوف أحاط به كان يئوسا أي كثير اليأس والقنوط تامهما ، لعدم إيمانه باللّه ورحمته وقدرته على إنجائه وخلاصه . وقوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا أي قل يا رسولنا للمشركين ، كل منا ومنكم يعمل على طريقته ومذهبه بحسب حاله هداية وضلالا . واللّه تعالى ربكم أعلم بمن هو أهدى منا ومنكم سبيلا . ويجزي الكل بحسب عمله وسلوكه . وهذه كلمة

--> ( 1 ) مِنَ : بيانية أي : مبيّنة للموصول ، ما هو شفاء وليست للابتداء ولا هي زائدة أي : وننزّل القرآن الذي هو شفاء وهدى ورحمة للمؤمنين . ( 2 ) وقد يستشفى بالقرآن من الأمراض الجسمية ففي البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعثهم وكانوا ثلاثين راكبا فنزلوا على قوم من العرب فسألوهم أن يضيّفوهم فأبوا فلدغ سيّد الحي فأتاهم آت وقال لهم : هل فيكم من يرقي من العقرب ؟ قلنا : نعم لكن حتى تعطونا فقالوا : إنّا نعطيكم ثلاثين شاة فرقاه بفاتحة الكتاب قرأها عليه سبع مرات فشفي فأخذوا الثلاثين شاة فأتوا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم كلوا وأطعمونا من الغنم . ( 3 ) المراد بالإنسان هنا : الكافر لا المؤمن وال فيه للجنس فيشمل اللّفظ كل إنسان كافر لم يهتد إلى الإسلام . ( 4 ) كونه يئوسا : لا يتعارض مع كثرة دعائه كما في قوله تعالى : فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ إذ يدعو وهو قانط .